يتحدّون قرارات منعهم من التسوّل ببراءة الصغار·· وإبتسامة
أطفال يعيشون بين مكبّات النفايات في الشوارع
أطفال يعيشون بين مكبّات النفايات في الشوارع
علي صفا: ينتقلون من مكان الى آخر، حاملين معهم الابتسامة التي لا يعرفون سواها، طريقهم الى الحياة بين مستوعبات النفايات، والروائح الكريهة المتصاعدة منها·· فصغر سنهم الذي لا يزال يختبر صعوبة وقسوة الدنيا، جعلهم يركضون في الشوارع، غير آبهين لما يخبئه لهم القدر من مفاجآت·· ولا مهتمين لنظرات العابرين نحوهم، وهم يغطون داخل مستوعبات النفايات، باحثين عما يمكن ان يُباع لشراء لقمة العيش المغمسة بكل انواع الميكروبات والامراض·
لكل منهم قصة اوصلته الى مكانه·· ولكل قصة عائلة جاعت، واخرى تشردت، وتبعثر افرادها··
بعضهم يتحدث عن فقدان اهلهم·· وآخرين عن الاهل الذين يعملون معهم جنباً الى جنب··
لكن احداً منهم لم يتحدث عن المدرسة والمعلم واللوح والصف·· فهم لا يعرفون منها سوى ما يرونه من التلاميذ واوتكارات المدارس التي تمر بجانبهم، وهي تحملهم في الذهاب والاياب··
لا يهمهم اذا ما كان قرار وزير الداخلية والبلديات قد صدر لمنعهم من العمل او التسوّل، ولا يكترثون كثيراً لقرارات محافظ العاصمة التي تشدد وتتوعد·· فما يشغلهم فقط هو جني بعض المال·· اما الباقي فتفاصيل بالنسبة اليهم··
لماذا تفاصيل؟!
لانهم لو تركوا التسوّل او البحث بين النفايات، فمن يعيدهم الى المدرسة التي تكلّف الشيء الكثير·· حتى ولو كانت المدرسة الرسمية·· فهم بالكاد يجدون ما يأكلون··
بهذه الكلمات حاول حسن الأسطا ان يوضح مشكلتهم··
من أين يعيشون وهم بالكاد بلغوا سن العاشرة·· فلا وزارة الشؤون الاجتماعية معنية بهذا الموضوع، ولا البيئة ولا حتى هيئة الاغاثة العليا··
هكذا ردت احدى السيدات التي كانت تستمع لكلام الاسطا وهي تمر بجانبه، دون ان تقف··
اما ابو مازن، كما عرّف عن نفسه، فأشار الى <عصابات ومافيات تحمل صغاراً في شاحنات، وتوزّعهم يومياً على الطرقات··>·
··<لكن لو افترضنا انهم عصابات يخطفون الاولاد ويجبرونهم على العمل في النفايات، والتسوّل في الشوارع، فأين الاجهزة الامنية التي يمكن ان تتابع مثل هذه المشاكل>·
بهذا السؤال دخل ابو وليد الحوار ونحن نشاهد الفتية الصغار يتابعون عملهم داخل المستوعبات، دون ان يهتموا لكل هذا الحوار، وما يدور فيه من تساؤلات··
عندها رأيت أن اقترب اكثر من هؤلاء الاولاد فربما كان الحوار معهم اجدى وانفع، لانهم المعنيين بهذه المشكلة التي كنا نبحثها بعيداً عنهم··
ما اسمك؟
اجاب: لماذا·· ماذا تريد؟
{ لا شيء سوى التحدث معك؟
- اعرف انك صورتني، لقد رأيتك··
{ سوف اضع صورتك في الجريدة، فربما رأتها أمك وفرحت بها·
- ليس عندي أم، وابي يعمل معي، وهؤلاء اخوتي ورفاقي·
{ كم عمرك·
- سبع سنوات·
{ يعني بتعرف العد على الاصابع·· من علمك هذا
· - اعرف ان اعد كل مستوعبات النفايات وكل السيارات·
{ هل ذهبت الى المدرسة·
- لا لم اذهب··
{ لماذا··
- لأن والدي جعلني اعمل معه·
{ اين والدك الآن··
- اخذ عربة، وذهب الى شوارع اخرى للبحث بين النفايات··
{ اين تسكنون··
- بعيداً·· نذهب الى البيت بالسيارة··
{ ماذا تفعل في البيت··
- ننام لنأتي صباحاً الى بيروت·
بعد ذلك، سكت ليناديه الاولاد من بعيد <يللا يا حسن>·· <تعال صوّرنا>··
اما سلمى، فهي تجلس يومياً مع أمها على الرصيف قبالة احدى <السوبرماركت>، ولم تبلغ سن الخامسة رغم البرد والصقيع الذي نشهده هذه الايام··
·· وكثيراً ما رأيتها نائمة في حضن امها، تغط بنوم عميق دون ان يزعجها كل المارة على الرصيف، ولا هدير السيارات العابرة··
وكأنها في عالم آخر لا علاقة لها بعالمنا·· لا تمدّ يدها لتتسول··
لكن عيونها كانت تتبع العابرين، وتأسرهم بسحر طفولتها لقاء بعض المال، وهي تبتسم للكل سواء اعطيتها او لم تعطيها·· تماماً كحسن واخوته ورفاقه عند دوار قصقص·· الذين لم يسمح لهم عمرهم الصغير ان يتعرفوا على <ان وأخواتها> ولا كل مشاريع الاغاثة التي تلمع عناوينها بالاجنبية·
··· ما يعرفونه فقط انهم يعيشون في الشوارع كعناوين لمستقبل لم يأت بعد فهل يكفي التشدد في منعهم من التسوّل بمعالجة البؤس الذي يعيشون فيه؟!!

No comments:
Post a Comment