العنف الأسري المعولم
المستقبل - الثلاثاء 13 نيسان 2010 - العدد 3622 - رأي و فكر - صفحة 19
جيروم شاهين
في الأسبوع الفائت أقر مجلس الوزراء اللبناني قانون حماية النساء من العنف الأسري. فما هو واقع العنف الأسري في العالم ؟
استناداً الى ارقام الامم المتحدة، هناك امرأة على الاقل من كل ثلاث نساء تتعرض في حياتها للاغتصاب او الضرب أو نوع آخر من الاعتداءات وغالبا ما يكون المعتدي شخصاً من ذويها. أي ثلث نساء هذه الارض. والعنف هو أحد الاسباب الرئيسية للوفاة أو العجز بالنسبة الى النساء اللواتي تراوح اعمارهن بين 15 و44 سنة، وهو يفوق في ذلك ولا سيما في مخاطر الاغتصاب والعنف المنزلي خطر السرطان والملاريا وحوادث السير.
ولنتذكر ان هذه الارقام مستقاة من دراسات لحالات مسجلة وان حالات كثيرة تبقى خلف جدران المنازل لا يدري بها أحد وحالات كثيرة غير معلنة أيضاً لعنف نفسي واقتصادي تتعرض له الفتيات والنساء بما يضعف ثقتهن بانفسهن ويساهم في استسلامهن لليأس ولارادة الرجل.
استناداً الى تقسيمات الامم المتحدة، هناك "العنف المنزلي والأسري" الذي يشمل أعمال الاكراه الجسدي والجنسي ضد النساء في المنزل أو داخل الاسرة أو في علاقة جنسية. البيت الذي يفترض ان يكون الملاذ الآمن لاي انسان يتحول للعديد من النساء مكانا للوجع والخوف والاذلال. ففي دراسة لمنظمة الصحة العالمية أجريت في 10 دول من انحاء العالم وشملت مقابلات مع 24 الف امرأة، قالت ما بين 15% و71 % من النساء انهن تعرضن للعنف على يد الشريك/ الزوج منهن 10% - 50% للعنف الجنسي تحديداً. وأظهرت دراسات أخرى ان 75% من النساء في روسيا يعانين شكلاً من أشكال العنف المنزلي وان هذا العنف يظهر في نصف عدد المنازل في الولايات المتحدة على الاقل مرة في السنة، وثمة تقدير انه كل 15 ثانية هناك امرأة أو فتاة تتعرض للضرب على يد شريكها. والعنف المنزلي ولا سيما الضرب منتشر على نطاق واسع في الدول العربية مثل بقية الدول، ولو بنسب متفاوتة. وأظهرت دراسات أجريت في أنحاء مختلفة من العالم ان نصف النساء ضحايا عمليات القتل يُقتلن على أيدي ازواجهن أو شركائهن السابقين أو الحاليين.
وعلى رغم ان 89 دولة تطبق نوعاً من من الحظر القانوني على العنف المنزلي ولدى عدد منها خطط وطنية لمواجهته، فان النتائج تثبت ان التقصير لا يزال فادحاً، ويكفي ان الفتيات والنساء في غالب الاحيان لا يشتكين من الاعتداء عليهن لأحد، لا للشرطة ولا لمنظمات غير حكومية، خوفا من رد فعل المعتدي سواء أكان الزوج أم الاب أم الاخ أم اي كان.
من أبرز ما أعادت الصحف الفرنسية نشره الاستقصاء الذي اجرته الحكومة الفرنسية حول العنف المنزلي ضد النساء، وهو أول استقصاء رسمي ووطني من هذا النوع، مستقصية فيه عيّنة مؤلفة من 6970 امرأة.
أبرز ما جاء في نتائج هذا الاستقصاء هو التالي:
(1) يموت في فرنسا كل شهر ست نساء تحت ضربات أزواجهن.
(2) امرأة من عشر نساء تتعرّض لعنف زوجها.
(3) تعاني النساء اللواتي هنّ دون الـ 25 من العمر ضعفي ما تعاني الأكبر منهنّ سنّاً.
(4) الصورة الشائعة والمتداولة بأن النساء المضروبات ينتمين إلى اوساط فقيرة ويعنّفهنّ زوج يتعاطى الكحول هي صورة غير مطابقة كلّياً للواقع. فالعنف المنزلي يمارس في كل الأوساط الاجتماعية (8,9 بالمئة من النساء المضروبات هنّ من الكوادر و3,3 بالمئة هنّ من العاملات).
اذن، قد يعتقد بعضهم، خطأ، أن ظاهرة العنف الأسري الذي تعاني منه المرأة ليست أصلاً بل فرعاً، ولا متناً بل هامشاً، ولا قاعدة بل شواذاً، وليست أمراً أساسياً بل ثانوياً، ولا تتفشّى إلاّ في مجتمعات العالم الثالث، ولا تمارس إلاّ ضمن شرائح المجتمع الفقيرة وعلى يد الأمّيين . لكن الواقع المحزن والمخزي هو أن هذه الظاهرة، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ما زالت " معولمة " إذا صحّ التعبير.
فالاحصائيات الأكثر علمية وصحّة لا تنفك تنبئنا، بتكرار سنوي مشابه احده للآخر، أن النساء اللواتي يتعرّضن لضرب أزواجهنّ لهنّ نسبة كبيرة جداً، وتجدهنّ، وبنسب غير متفاوتة كثيراً، في اميركا كما في افريقيا، في اوروبا كما في آسيا، في عائلات ميسورة كما في عائلات فقيرة، في عائلات يدّعي أعضاؤها الثقافة والعلم كما في عائلات يرزح أعضاؤها تحت آفة الجهل والأمّية.
فلماذا كل هذا الظلم ؟ وهل أن الذكورية في مجتمعاتنا لا تحقق سلطتها المتفرّدة، سياسةً واقتصاداً، ثقافةً وتشريعاً، إلاّ بقمع المرأة حتى العنف الجسدي؟
العنف المنزلي " المعولم " الذي تقع ضحيته المرأة إنْ دلّ على شيء فإنه يدلّ خاصة على أن الذكورية تؤبّد سلطتها بشتّى الأشكال. ولربما أننا نشهد في هذه المرحلة بداية حلول صراع المذكّر والمؤنث بدل صراع الطبقات. ليس المطلوب استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، بل المطلوب المساواة على أساس الأنسنة الواحدة. والمطلوب إزالة تأسيس الفروقات الاجتماعية ما بين الرجل والمرأة على ما سمّي أنه طبيعي ثابت وكيانيّ مطلق، بينما هو في الحقيقة ثقافيّ، أي نسبيّ عابر. فإذا كان ثمة اختلاف في توزيع الأدوار والوظائف ـ وهذا يخضع للنقاش والحوار ـ فلا يجوز أن يكون الاختلاف والخلاف على المساواة في الكيان.
ما أخشاه من اشارتي إلى شمولية وضع المرأة الواقعة تحت العنف المنزلي، جغرافياً وطبقياً واجتماعياً وثقافياً، هو أن يشكّل هذا الأمر ذريعة يتذّرع فيها "الذكوريون" في مجتمعاتنا ليحبطوا نضال نساء بلادنا في تحقيق مساوتهنّ بالرجال على أساس ما ذكرت أعلاه. والحجة التي قد يتمسّك بها هؤلاء الذكور هي أن ظاهرة العنف المنزلي التي تقع ضحيتها المرأة هي ظاهرة كونية، وبالتالي يعفون أنفسهم من التساؤل حول أسباب هذه الظاهرة في ثقافتنا وفي حياتنا الاجتماعية. وهكذا، يؤبّدون دونية المرأة وسلطة ذكوريتهم.
من الملحّ جداً أن نسائل تراثنا وتقاليدنا وثقافتنا ومصادرنا الدينية لنستخرج منها ما يجعل علاقة الرجل بالمرأة علاقة احترام متبادل ومساواة في الحق والكرامة، ولننقيها من كل الشوائب التي تسيء إلى المرأة.
No comments:
Post a Comment