كلّما شعر مجنّدو شاهد الزور الأكبر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري المدعو زهير بن محمّد سعيد الصدّيق بالتفاف حبل الكذب حول أعناقهم وافتراءاتهم بما يؤدّي إلى افتضاح أمرهم، أطلقوه من زنزانته الاختيارية المتنقّلة بين بلد أوروبي وآخر عربي.
وبعدما كان الصدّيق «شاهداً ملكاً» غير متوّج في أقواله التي انصبّت على اتهام سوريا والضبّاط اللبنانيين الأربعة، انبرى وعبر المنبر الإعلامي نفسه أيّ جريدة «السياسة» الكويتية، إلى توجيه الاتهام هذه المرّة، إلى «حزب الله»، مدعياً بأنّه يستند إلى وثائق زوّده بها الضابط السوري الراحل غازي كنعان.
لم تعد أكاذيب الصدّيق تنطلي على أحد من اللبنانيين بعدما خبروه على مرّ السنوات السابقة، خصوصاً منذ إطلالاته الأولى في مسار التحقيق الأولي لدى لجنة التحقيق الدولية المستقلّة في عهد رئيسها الأوّل القاضي الألماني ديتيلف ميليس الذي صدّقه واعتبره «كنزاً ثميناً» و«شاهداً أساسياً» وخصّه بالذكر في تقريريه، قبل أن يسقطه الرئيس الثاني لهذه اللجنة القاضي البلجيكي سيرج برامرتز بالضربة القاضية المدوّية، ويصفه بعد تقييمه لإفادته بأنّه غير ذي مصداقية، وتبعه الرئيس الثالث للجنة إيّاها القاضي الكندي دانيال بيلمار واعتبر شهادته تفتقر إلى المصداقية، أيّ أنّه كذّاب ومفتر وتجب محاكمته، لأنّ من يعطي إفادة كاذبة أمام السلطة القضائية وفي معرض تحقيق جنائي بهدف تحوير التحقيق عن غايته، موقعه السجن وليس صفحات الجرائد.
فقد سبق للصدّيق أن جعل من نفسه رائداً في الجيش السوري، فأعطي هذه الصفة بغية تقريب أقواله من عقل الرأي العام لتصديقها، بينما هو في واقع الحال مجرّد عنصر عادي.
وسبق للصدّيق أن قال إنّه شاهد شاحنة «الميتسوبيشي» في معسكر للقوّات السورية في سهل الزبداني قبل أن تصل إلى مسرح الجريمة في عين المريسة، غير أنّ التحقيق الدولي بات مقتنعاً وبالأدلّة الحسّية والمعطيات المقنعة والعقلانية والمفيدة، بأنّ هذه الشاحنة سرقت من اليابان وهرّبت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ومنها إلى مرفأ طرابلس حيث دخلت الأراضي اللبنانية بأوراق مزوّرة، ثمّ بيعت بطريقة ملتوية واختفت عن الطرقات، إلى أن ظهرت في موقع الاغتيال.
وسبق للصدّيق أن زعم أنّ الضبّاط اللبنانيين الأربعة وضبّاطاً سوريين التقوا في شقّة المواطن مالك محمّد في شارع معوّض في منطقة الضاحية الجنوبية للتخطيط لجريمة اغتيال الحريري، غير أنّ فحص الحمض النووي والمقام على أسس علمية، دحض هذا الكلام المفبرك والمسطّح، ليتضح من خلاله أنّ الصدّيق كان مجرّد سائق لدى ضابط سوري أسكنه مالك محمّد في شقّته موقّتاً إلى حين انتهاء دورة عسكرية كان يخضع لها في لبنان مع ضبّاط لبنانيين في الجيش اللبناني، وهو ما أثبتته المستندات الرسمية التي قدّمتها قيادة الجيش اللبناني.
ثمّ يأتي الصدّيق ويقول في مقابلة مع «السياسة» الكويتية منشورة في عددها الصادر، أمس، (وليس أكيداً أنه على علم بالمقابلة) أنّ «حزب الله كان على علم بجريمة اغتيال الحريري وشارك فيها لوجستياً بدليل وجود ضبّاط سوريين قبل وقوع الجريمة في الضاحية الجنوبية لبيروت».
وسبق للصدّيق أن ادعى بأنّه نقل الضبّاط اللبنانيين الأربعة بسيّارته إلى موقع الجريمة صبيحة يوم الاثنين في 14 شباط من العام 2005 للإشراف على المكان قبل المباشرة بالتنفيذ، وهو ما تبيّن أنّه عار عن الصحّة.
وسبق للنائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا أن اعتبر الصدّيق دجّالاً وادعى عليه يوم الخميس في 13 تشرين الأوّل من العام 2005 بإعطاء إفادة كاذبة، فبات مطلوباً للقضاء اللبناني بعدما أفلت من قبضته بطريقة مشبوهة، وبتسهيلات من أهل الحلّ والربط الذين شغّلوه وسفّروه، وصدرت بحقّه مذكّرة توقيف غيابية عاد المحقّق العدلي الثالث القاضي صقر صقر واستردّها عند تنازله عن صلاحياته لمصلحة المحكمة الخاصة بلبنان.
وجديد كذب الصدّيق في مقابلته الصحافية، قوله إنّ ضبّاطاً من المخابرات السورية لقّنوا إبراهيم جرجورة إفادته الكاذبة، بينما قصّة تجنيد جرجورة باتت معروفة وهو قالها على الملأ في شريط مسجّل حيث أكّد أنّ أحد النواب اللبنانيين الحاليين قام بهذا الدور وحفّظه كلاماً ليردّده في التحقيق، لكنّه سرعان ما سقط في الامتحان.
ووعد الصدّيق اللبنانيين بملفّات وتسجيلات أودعها لديه غازي كنعان، أمانة، علما أن شاهده المذكور مات، ويستطيع أن يقول ما يريد ما دام شهوده بعيدين عن النظر وغير أحياء، وتشهيد الميت في القانون ساقط ولا يعتد به، ويعتبر صفراً في مسار التحقيق، ولا يستخدم عادة، إلاّ للإفلات من العقاب وتغييب الحقيقة.
No comments:
Post a Comment