بيئة (الثلاثاء)
تاريخ العدد -1 العدد -1
بين عمليات الغرس غير الناجحة وتمدد العمران المستمر
التحريج في لبنان: قضية وطنية لحماية التربة والمياه والمناخ
زينب ياغي
لو تمت رعاية الأعداد الكبرى من الأشجار التي تزرعها الجمعيات، والوزارات المعنية في المناطق اللبنانية، لامتلأ لبنان أشجارا، وبدأنا بتشجير البحر. تحمل تلك المقولة الساخرة الذي أعلنها مدير التنمية الريفية في وزارة الزراعة شادي مهنا، الكثير من الصحة. فلا يكاد يمر يوم إلا ويتم الإعلان فيه عن عمليات تشجير في منطقة ما. لكن العملية تنتهي غالبا عند غرس الأشجار، ثم تركها لمصيرها، فتذبل وتيبس، كأنها لم تزرع. واستنادا إلى تقديرات الخبير الزراعي ميشال خزامي يجب تحريج خمسة آلاف هكتار، لكي يستعيد لبنان ما نسبته عشرون بالمئة من الأراضي الحرجية، بينما تولت وزارة البيئة تشجير 587 هكتارا، منذ تأسيسها حتى اليوم. وتبين بموجب آخر خريطة حرجية أعدتها وزارة الزراعة في العام 2005، أي منذ خمس سنوات، أن مساحات الأحراج في لبنان تدنت إلى ثلاثة عشر بالمئة، يضاف إليها مساحة تقارب الإثني عشر بالمئة، من الأشجار المنزلية والجيوب الحرجية الصغرى، مثل السنديان المشذب، وقد أعدت الخريطة مديرية التنمية الريفية في الوزارة بمشاركة منظمة الأغذية والزراعة الفاو. وكان يقال إن المساحة الحرجية في لبنان في الخمسينيات كانت تقارب ثلاثين بالمئة. ولا يكفي هنا أن تعلن الحكومة في بيانها الوزاري عن «ضرورة التوصل في العام 2011 إلى إنتاج مليوني غرسة من الشتول سنويا»، لأن تلك النية تستدعي إرادة سياسية جدية في جعل التحريج واحدا من القضايا الوطنية، وليس مسألة هامشية، كما يؤكد خزامي، والعمل من أجل ذلك على وضع خطط، لتنفيذ التحريج، وتنظيمه، لأن الأشجار من أهم عناصر الحفاظ على المياه والتربة وتنقية المناخ، وتعبر عن الرقي الحضاري للبلد الذي تتواجد فيه. التمدد العمراني أولا ويوضح كل من خزاعي ومهنا أن الامتداد العمراني يشكل أهم الأسباب لتدني المساحات الحرجية، لأن فوضى العمران في لبنان تسمح بالبناء من دون خرائط التنظيم المدني. بعد الامتداد العمراني، تأتي الحرائق السنوية التي تشهدها مختلف المناطق اللبنانية، إذ يفيد مهنا أن مساحة المناطق التي احترقت في العام 2007 بلغت ما يقارب ألفين وخمسمئة هكتار، أي ما نسبته واحد بالمئة من المناطق الحرجية، وهي نسبة خطرة لأنه لو احترقت تلك المساحات كل عام، فسوف يصبح لبنان، بعد سنوات قليلة، من دون أشجار. مع ذلك يعتبر مهنا أن الاحتراق أقل خطورة من العمران لأن الغابة التي تحترق لا نخسرها بل يتأخر نموها، بينما تؤدي عمليات البناء وشق الطرقات إلى قطع الأشجار نهائيا. ويورد مثلا على المشاكل التي يسببها البناء بقوله: إذا كان أحد الأشخاص يملك عقارا مساحته ألف متر مربع، فيجب أن يبني على مساحة عشرين بالمئة منه، لكن ما يجري حاليا هو قطع الأشجار على مساحة الألف متر من أجل «البحبحة» في البناء وإقامة موقف سيارات ومدخل وغيره. ويترتب على كل طالب رخصة بناء خصوصا في الأراضي الحرجية، الحصول في موازاتها على رخصة قطع أشجار من وزارة الزراعة، على أن يغرس بدل الثلاثين شجرة التي يقطعها مثلا ستين شجرة، لكن لا أصحاب العقارات يلتزمون بطلب الترخيص، ولا القضاة ينفذون قانون العقوبات الخاص بالغابات، في حال جرى تقديم دعوى قضائية بحق المخالفين. ولذلك يشير مهنا إلى أنه كان لدى وزارة الزراعة ألف وخمسمئة طلب رخصة قطع أشجار، أوقفها وزير الزراعة بسبب العشوائية في قطع الأشجار. كما يترتب على كل من يصنع كيلو فحم بطريقة مخالفة، دفع غرامة قيمتها خمسة وعشرون ألف ليرة، وتتضمن المخالفة تصنيع الفحم من دون ترخيص مسبق، أو خارج الفترات المسموح بها، وهي حتما ليست في فصل الصيف. ويوضح مهنا أن مئة وخمسين حارس أحراج يعملون في وزارة الزراعة حاليا، دورهم مراقبة المخالفات وضبطها، فإذا ضبط الحارس مثلا شخصا يصنع الفحم من دون ترخيص يترتب عليه إرسال محضر بذلك إلى القاضي الجزائي في المنطقة التي تضبط فيها المخالفة، وعلى القاضي البت بالمحضر وتغريم المخالف. لكن ما يحصل هو حكم القاضي، إذا حكم، بتغريم المخالف مبلغ مئة ألف أو مئتي ألف ليرة عن مجمل الكمية المصنعة، بينما يفترض أن تكون الغرامة بالملايين. وفي الإجمال يحكم بالغرامة على الأشخاص الذين لا سند لهم. كما يحق لحراس الأحراج طلب مؤازرة قوى الأمن الداخلي، لكن قوى الأمن لا تقوم بمهمتها في ذلك المجال، وقد طلب الوزير حاليا من وزارتي العدل والداخلية والجيش التشدد في ضبط المخالفات، وأوقف جميع رخص استثمار الغابات، سواء منها الخاص بصناعة الفحم أو بيع الحطب. كما أعد نماذج رخص لقطع الأشجار بداعي البناء أو توسيع الطرقات، ضمن شروط قاسية. الاستيلاء على الأملاك العامة بعد البناء والحرائق يأتي الاستيلاء على الأملاك العامة، إذ يعمد بعض أصحاب الأملاك المجاورة لأحد الأحراج إلى توسيع أملاكهم باتجاه الحرج، وقضم مساحات حرجية ليست من حقهم. وتتوجه الوزارة للحد من تلك المشاكل إلى اعتماد حلول قانونية تقضي بإعداد نماذج رخص لقطع الأشجار بداعي البناء أو توسيع الطرق، ضمن شروط قاسية، وتحضير دفتر شروط لتأهيل مراكز الأحراج، إذ يوجد حاليا أربعة وثلاثون مركزا حرجيا، تتوزع على جميع الأراضي اللبنانية، يلزمها مئتان وخمسون حارسا. وسوف يتم للمرة الأولى تخصيص مبلغ مالي في الموازنة الجديدة، لشراء عشرين آلية، من أجل تنقلات الحراس، كما سيجري طلب توسيع ملاك الحراس، عبر مجلس الخدمة المدنية. وفي المجال الزراعي سوف تعمل الوزارة على إعادة تأهيل مشاتل النصوب التي تملكها وهي عشرة مشاتل، تتوزع في كل من مدينة صور، وبلدات رميش والشرقية في الجنوب، والشويفات والدبية وحمانا في جبل لبنان، وشتورا ودير الأحمر في البقاع، وعين يعقوب والعبدة في الشمال، وقد حضرت الوزارة دفاتر شروط لإعادة تأهيل المشاتل، لأنه يجب الوصول بعد سنتين إلى إنتاج مليوني غرسة كل عام، بموجب قرار مجلس الوزراء. وحاليا تقوم الوزارة بتوزيع ما يتوفر لديها من نصوب على البلديات والجمعيات، وقسم من تلك النصوب يأتيها عبر الهبات. ويقول مهنا هنا إنه مع الاستمرار في التوجه الجديد، في إعطاء الأفراد نصوبا، لأن من يحصل على نصوب، فهو بالتأكيد سوف يعتني بها. ويشير إلى أن بعض الأشخاص يأخذون النصوب ويبيعونها، من أجل الاستفادة المادية منها، لكن حتى لو قاموا بذلك فإن النصوب تذهب في النهاية إلى أشخاص سوف يزرعونها. وأبرز أنواع النصوب التي تعتمدها الوزارة هي: الأرز والصنوبر والخروب والحور والغار. وكما تواجه الأحراج مشاكل تؤدي إلى تضاؤل مساحاتها، فإن عمليات التحريج تواجه مشاكل أيضا وأبرزها: عدم متابعة الغرسات المزروعة، من سقاية وتعشيب، رعي الماشية لها خاصة في المناطق غير المأهولة، استخدام هواة الرياضات الميكانيكية سيارات الدفع الرباعي في الأماكن الجبلية، التغيرات المناخية من جفاف وارتفاع في الحرارة والتي تؤدي إلى ظهور حشرات في غير موسمها، مثل حشرة الصندل التي تختبئ في تشرين الأول وتظهر في نيسان كل عام، لكنها هذا العام خرجت من مخابئها مرتين. من الزراعة الى البيئة! يوضح مدير مشروع المحافظة وإعادة تأهيل موارد لبنان الحرجية في وزارة البيئة غارو هاروتانيان أن التحريج كان حتى العام2001 من صلاحيات وزارة الزراعة، ثم انتقل بقرار حكومي إلى وزارة البيئة. وقد أعد عدد من الخبراء في مجال الأحراج خطة وطنية للتحريج، في العام نفسه، لصالح الوزارة، استندوا فيها إلى الخرائط الموجودة لدى وزارة الزراعة. ومول مرفأ البيئة العالمي جزءا من الكلفة، تشمل إدارة المشروع ورواتب الموظفين العاملين فيه، أما عملية التحريج فهي بتمويل من الحكومة التي خصصت موازنة قيمتها خمسة وعشرون مليار ليرة، تصرف على خمس سنوات. ولا يزال جزء من الموازنة موجودا لدى الوزارة، بسبب عدم القيام بالتحريج حسب الخطة الموضوعة. وقد نفذت الوزارة المرحلة الأولى من التحريج بين العامين 2002 و2004 ، وشملت مساحة قليلة بلغت ثلاثمئة هكتار، ثم نفذت مرحلة ثانية بين العامين 2004 و2006، جرى خلالها تحريج 287 هكتارا، ثم توقفت عمليات التحريج بعد حرب تموز في العام 2006 . يقول هاروتانيان إنه جرى تقييم المرحلتين الأولى والثانية، قبل إطلاق المرحلة الثالثة، وقام مهندسون تعاقدت معهم الوزارة بالكشف على المناطق التي جرى تحريجها. ويلفت هنا إلى أن وزارة البيئة كانت تتعاقد في السابق مع مهندسين لا يعرفون المناطق التي يتولون الإشراف على التحريج فيها. وقد تبين بعد التقييم أن نسبة نجاح التحريج بلغت في المرحلتين المذكورتين ما يقارب ستين بالمئة، فيما شمل التقييم فقط منطقتي جبل لبنان والشمال، وهما في الأصل من المناطق الأكثر تحريجا في لبنان، واستثني منه الجنوب والبقاع، ويعني ذلك أنه لو تم تقييم التحريج في الجنوب والبقاع لتدنت النسبة كثيرا، خاصة أن هاتين المنطقتين تعرضتا لتدمير عدد كبير من أشجارهما بسبب الحرب. يوضح هاروتانيان أن الوزارة قررت في المرحلة الثالثة من التحريج، التعامل مباشرة مع البلديات، عن طريق التعاقد بالتراضي، وذلك لجعل كل بلدية مسؤولة عن المناطق التي سيتم تحريجها. وجرى لتلك الغاية وضع نموذج للطلب الذي تتقدم به البلدية، تبدي بموجبه رغبتها بتعاون الوزارة معها، وترفقه بمستندات، تشمل قرارا موقعا من المجلس البلدي، وإفادة عقارية بالأراضي التي سيجري تحريجها، بالإضافة إلى خريطة مساحة وصور فوتوغرافية تبين وضعها الحالي. وتقدمت حتى الآن مئة وستون بلدية بطلبات، من أصل ٩٤٥ بلدية موجودة في لبنان، ويقول هاروتانيان إنه تم قبول طلبات خمس وخمسين بلدية لأن باقي الطلبات غير مستكملة، ويجري استكمالها، بينما تم إعطاء الأفضلية للمناطق التي لم يجر تحريجها سابقا. ولن يتم تنفيذ التعاقد مع البلديات، إلا بعد كشف يقوم به خبراء الوزارة على الأراضي المنوي تحريجها، من أجل معرفة نوعية الأشجار التي يمكن غرسها، والتأكد من عدم وجود إنشاءات عليها. تطلب غالبية البلديات غرسات صنوبر، لأنه يؤمن لها مدخولا ماديا، لكن المشكلة تكمن في أن الصنوبر إذا احترق، لا يجدد نفسه، بل يتعرض لليباس. لذلك تفضل الوزارة إدخال أنواع أخرى مع الصنوبر مثل السنديان والبلوط والغار والشوح وغيرها. وتبلغ كلفة زراعة الخمسة هكتارات عشرة آلاف دولار، من أجل ذلك تم تقسيم عملية التمويل على مراحل عدة هي: دفع ثمن الشتول، ثم حفر الجور وزرعها، ثم العناية بها. أما تجربة رش البذار التي تقوم بها بعض الجمعيات عبر الجو فهي طريقة جرى اعتمادها في الولايات المتحدة، كما يقول هاروتانيان، ثم توقف العمل بها. ويقال إنه جرت تجربة رش البذار في الشوف، ونجحت نسبيا، وتقلد تلك الطريقة الطبيعة في اختيار توقيت رش البذار، لكن من سيتولى رعايتها بعد تفريخها؟ وبما أن وزارة البيئة لا تملك مشاتل خاصة بها، فسوف يتم تأمين الشتول عن طريق وزارة الزراعة والمشاتل الخاصة الموجودة لدى مؤسسات أو جمعيات، وقد استدعى توزيع المهام والصلاحيات بين وزارتي البيئة والزراعة، التفكير في تأليف هيئة للتحريج تضم ممثلين عن وزارات الزراعة والبيئة والداخلية والبلديات والجمعيات البيئية والجيش، يتوقع تشكيلها في آذار الجاري. لكن كل ذلك يبقى ناقصا إذا لم تهتم الحكومة فعليا بإيجاد كادر بشري يتولى العناية بالأحراج، كما هي الحال في بلاد العالم التي تعتبر غاباتها ثروة لها، ويقترح الخبير خزاعي على الحكومة، تخصيص مهندسين في رعاية الغابات في الولايات المتحدة وأوروبا، لأنه يلزم لبنان ما يقارب أربعين مهندسا، وإلا لن يتم تحريج الخمسة آلاف هكتار.
على الحافة
من أين البداية؟
حبيب معلوف
كان مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 13/1/2010 قد قرر «تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية وزراء الدفاع الوطني، الزراعة، العدل، الداخلية والبلديات والبيئة، مهمتها اعداد الاقتراحات الآيلة الى تطوير وتحديث القوانين والأنظمة المرعية الإجراء بما من شأنه الحفاظ على الثروة الحرجية والحد من قطع الأشجار والاحراج وتشديد العقوبات بحق المخالفين». ومنذ ذلك التاريخ، لم تجتمع تلك اللجنة، بشكل علني على الاقل.
ولكن لنفترض انها ستجتمع غدا او بعد غد. فما سيكون جدول اعمالها ومن اين ستبدأ؟
هل تبدأ بمراجعة القوانين والصلاحيات للوزارات المعنية لمعرفة من يتحمل المسؤولية القانونية لادارة الاحراج في لبنان؟ أم تبدأ بمراجعة الدراسات حول كيفية مقاربة هذا الملف؟ ام تبدأ بمراجعة التجارب السابقة في الإدارة؟
ام انها ستنطلق من مقاربة الموضوع وكأن لا شيء قبلها، وكأنها تؤسس لكل شيء من جديد؟
وإذ يستحيل الانطلاق من العدم، كون الوزارات المعنية مؤسسسات كانت موجودة ولديها تجاربها، وإن كانت غير ناجحة في غالبيتها، فعلى الأرجح أن تبدأ اللجنة ورئيسها من حيث انتهت اللجان السابقة.
بقدر ما يبدو هذا التحليل منطقيا، بقدر ما يعبر عن بقاء المشكلة من دون حل. كون هذه الانطلاقة قد اختارت الطريق الاسهل وليس الطريق الاسلم.
فالقاعدة الاولى التي يفترض الانطلاق منها لمعالجة الموضوع بشكل جدي، ولو لمرة اولى، هي المحاسبة وتحديد المسؤوليات. فمن يحاسب المسؤولين في وزارة الزراعة قبل العام 2001 تاريخ اتخاذ مجلس الوزراء قرارا بنقل موازنة اعادة التحريج الـ25 مليار ليرة لبنانية الى وزارة البيئة بدل الزراعة؟ ومن يحاسب الادارة في وزارة البيئة التي فشلت في ادارة الملف منذ العام 2001 وحتى اليوم؟
من يفسر أسباب تخلي وزارة الزراعة عن مهامها ومسؤولياتها، وتعثر إدارة وزارة البيئة للملف وفشلها ونقل صلاحياتها إلى جمعية؟!
حكي كثيرا عن فساد وتقصير وفوضى في إدارة هذا الملف، في إدارة وحماية الاحراج او في إعادة التشجير، فهل ستتم محاسبة احد؟
يسلم معظم الخبراء في حياة الغابات، ان في لبنان احراجا متقطعة لا غابات. وأن السبب الرئيسي في تقطع اوصال هذه الاحراج هو بالدرجة الاولى ما يسمى «العمران»، من شق طرقات (وتوسيعها الدائم) وبناء (في جميع اشكاله وانواعه من سكن وصناعة وسياحة وزراعة)، وهو المتسبب الرئيسي بانخفاض المساحات الخضراء في لبنان... ويأتي بعده انتشار الأمراض (بسبب الصيد البري والقضاء على أنواع كثيرة من الطيور وسوء استخدام المبيدات في الزراعة) وسوء تنظيم الرعي والقطع والحرائق... الخ
إلا أن اللجان الوزارية السابقة لم تهتم الا بموضوع الحرائق، وقد استضاف رئيس مجلس الوزراء السابق فؤاد السنيورة اكثر من ورشة عمل في السرايا الكبيرة اكثر من احتفال ومن ورشة عمل لمعالجة موضوع الحرائق، مع العلم، كما أسلفنا، ان مشكلة تراجع المساحات الخضراء الاكبر تأتي من مكان آخر، وكان الامر يحتاج الى معالجة أعمق وأوسع، كما كنا ننبه دائما.
حتى أن مسالة معالجة الحرائق نفسها ووحدها، لم تكن ناجحة، وقد ضربتها الفوضى من كثرة الجهات التي اهتمت بالمعالجة، كما ضربتها سوسة التفرد في القرارات وسوء التخطيط وضياع المسؤوليات. فبعد ظهور ضعف وزارة الزراعة المسؤولة قانونا عن الموضوع، فتح أكثر من طرف على حسابه وتنطح للتدخل. فوزارة البيئة كلفت برئاسة لجنة من دون أن تكون مستعدة، ووزارة الداخلية عبر الدفاع المدني، اعتبرت نفسها مسؤولة، حين بدأت تفتح المراكز في المناطق (لأهداف انتخابية بداية)، ثم تأسست جمعيات لتختص بهذا الموضوع وتولت جمعيات أخرى مقاربة هذا الملف، وحصلت على تمويل كبير لمشاريع تتعلق بالموضوع... من دون أن يحدد من هو المسؤول عن الملف، لكي يستطيع الشعب اللبناني أن يهنئه إذا نجح، وأن يحاسبه إذا فشل!
فهل تبادر اللجنة الوزارية إلى الانطلاق من تحديد إطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات والصلاحيات والمهمات لإدارة هذا الملف؟
من القضايا التي تحتاج الى مقاربة مختلفة، زيادة العمران. فإذا راجعنا اسباب هذه الزيادة، وجدنا ان هناك خللا ما في الاقتصاد اللبناني، جعل تجارة العقارات والبناء هي الأكثر نشاطا ورواجا في لبنان. فهناك استسهال لعمليات الاستثمار في تجارة البناء بشكل اقل ما يقال فيه انه «غير طبيعي». فإذا كان الامر كذلك، على اللجنة الوزارية ان تتصدى إذاً لمعالجة هذا الموضوع، عبر وضع ضوابط معينة على الاستثمار في هذا القطاع.
من الاسباب ايضا، ظاهرة بيع العقارات لغير اللبنانيين في الفترة الاخيرة، ولا سيما في منطقة جبل لبنان. بالرغم من ان الموضوع يحمل بعض المعاني العنصرية، الا ان مقاربته ايكولوجيا، تبعد اي شبهة عنه، كون بيع العقارات لغير اللبنانيين يفترض ان يخضع لقواعد ايكولوجية لبنانية بالدرجة الاولى، بمعنى إخضاع الموضوع لسقف الحفاظ على التوازن الايكولوجي في لبنان بين عدد السكان والمساحات الخضراء... ولقواعد كان يفترض ان يحددها المخطط التوجيهي الشامل لترتيب الاراضي.
فالمرسوم رقم 2366 الصادر في الجريدة الرسمية في 2/7/2009 حول الخطة الشاملة لترتيب الاراضي اللبنانية، يصنف هذا النوع من الاراضي في المادة الخامسة بـ«مناطق تواصل الاحراج والاودية والمناطق الطبيعية الاخرى»، ليحدد في الجداول المرفقة عوامل الاستثمار بين متوسطة (ضمن البلدات الآهلة) ومتدنية (خارج البلدات الآهلة) ومتدنية جدا (في الاحراج وعلى المنحدرات 30%) ... وهي التي تحتاج الى الكثير من التوضيح ولا سيما في تعبير «المتدنية».
فمن سيعيد النظر ويضع الآليات التطبيقية لهذا المرسوم، مع العلم ان المرسوم نفسه في مادته العاشرة قد نص على تشكيل لجنة إدارية برئاسة رئيس المجلس الأعلى للتنظيم المدني وتضم مندوبين عن المديريات العامة في وزارات ومؤسسات عدة؟
فهل ستأخذ اللجنة هذا الموضوع الاستراتيجي بالاعتبار لمقاربة الملف بشكل مختلف عن المرات السابقة؟
فرعية اللجان وتعديل قانون تلوث الهواء
عقدت اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة والمكلفة درس مشروع القانون الوارد بالمرسوم 10889 والرامي الى تعديل القانون رقم 241 (التخفيف من تلوث الهواء الناتج عن قطاع النقل وتشجيع الاتجاه الى استعمال الوقود الأقل تلويثا)، جلستها الاولى امس في المجلس النيابي، برئاسة رئيس اللجنة الفرعية النائب محمد قباني، وحضور وزير البيئة محمد رحال والنواب: باسم الشاب، خالد زهرمان، قاسم هاشم، سامر سعادة وجمال الجراح. كما حضر الجلسة ممثلا وزارة البيئة رولا الشيخ ومنال مسلم. إثر الجلسة قال النائب قباني: «في هذا الاجتماع حضر وزير البيئة وتغيبت بالكامل وزارتان هما الأشغال العامة والنقل والمالية. موضوع تلوث الهواء الناتج من قطاع النقل، هو موضوع يعالج في هذا المجلس منذ عشر سنوات، وقد صدر بشأنه القانون رقم 341 بتاريخ 6/8/2001 ومنذ ذلك الحين وهذا القانون هو موضوع نقاش وشكاوى وموضوع الكثير من التحركات النقابية وسوى ذلك. وبشكل أساسي كان النقاش خلافياً دائماً حول باصات النقل التي تعمل على المازوت والتي يتراوح حجم استيعابها بين 16 و24 راكباً، ذلك اننا وقعنا في خطأ في حينه بأن منعت هذه السيارات على المازوت، ولكن في الوقت نفسه لا يوجد سيارات من هذا الحجم تعمل على البنزين، فكان ذلك يعني منع هذه الباصات كلياً، واستمر النقاش سنوات، عاد الآن الى صيغة نأمل أن نصل فيها الى توافق حول هذا الموضوع». أضاف: «كان هذا الاجتماع الأول للجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة وطرحنا فيه مجموعة أسئلة أساسية تتعلق بما توصلنا اليه في عام 2004 حين توصلنا الى صيغة دقيقة فيها كان الحوار والاتفاق مع دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومع اللجنة الفرعية المنبثقة من اللجان المشتركة حصلت تطورات منذ عام 2004 حتى اليوم استوجبت تشكيل لجنة جديدة، هذه اللجنة في اجتماعها الأول طرحت بعض الأسئلة الأساسية على الحكومة وعلى مراجع أخرى ومنها: عام 2001 منعت السيارات الصغيرة العاملة على المازوت لسبب أساسي هو اننا كنا لا نثق بقدرة لبنان على إجراء الرقابة الجدية على السيارات من اجل الموضوع البيئي وبالتالي كان الخيار الذي تم في الهيئة العامة وقع على عدم الترخيص للسيارات الصغيرة العاملة على المازوت. الآن بدأنا نطرح سؤالا إضافيا: هل اصبحنا عام 2010 قادرين على مراقبة السيارات العاملة على المازوت، اولا بالنسبة للمحطات وثانيا بالنسبة للسيارات نفسها؟». وتابع: «الموضوع الثاني كنا في القانون الذي أعددناه عام 2004 سمحنا للسيارات العاملة على الغاز واليوم السؤال هل ما زال خيار السيارات العاملة على الغاز خيارا جديا، كما يعتقد البعض ام انه لم يعد خيارا جديا للمستقبل، وأصبح الخيار البيئي الأساسي هو السيارات العاملة على الكهرباء والبنزين معا، هذه الأسئلة طرحناها على أكثر من جهة وسنعود للاجتماع بعد اسبوعين آملين ان تصل الينا الأجوبة كي نتمكن من مباشرة عملنا». مصادر بيئية متابعة للملف منذ عام 2000، تمنت على اللجنة الفرعية عبر «السفير»، فتح ملف المعاينة الميكانيكية وجدوى خصخصتها، وعدم تطبيق قانون السير لناحية وقف السيارات والآليات التي تصدر انبعاثات قاتلة، وعدم الاكتفاء بطرح قضية الباصات.
بعد أن «أحرقت» قسماً كبيراً من أشجار اليرز
دودة الصندل تضرب أشجار الصنوبر المثمر في غرب عاليه
انور عقل ضو
متابعة لموضوع ظاهرة دودة الصندل غير المسبوقة في قوتها هذا العام الذي أثارته «السفير» في صفحة «بيئة» في التاسع من شباط الماضي، حيث توقع بعض الخبراء ان تساهم الثلوج في إضعافها... يبدو ان الطقس الدافئ نسبيا هذا العام قد ساهم في تفاقم هذه الظاهرة، التي تحولت الى آفة والتي تحتاج الى استنفار بيئي على كل صعيد. «السفير» تتابع رصد تطور حياة وانتشار هذه الظاهرة في المناطق تحفيزا وتسهيلا لعمل المسؤولين للرصد والمتابعة والمعالجة. «لم يسبق أن شاهدت من قبل هذا اليباس على الاشجار وكأن حريقا التهمها وقضى على أحراج بكاملها» يقول المواطن سمير وهبي من بلدة البساتين ـ قضاء عاليه، وهو يشير إلى مناطق حرجية لا أثر لحياة في اشجارها، مئات أشجار الـيرز (الصنوبر البري) قضت عليها دودة الصندل في ظاهرة لم تعهدها هذه المنطقة من قبل، بدءاً من دوحة عرمون المطلة على البحر صعوداً حتى عرمون وصولاً إلى بلدة البساتين. ويضيف وهبي: «راجعنا الوزارات المعنية والمسؤولين ولم نلق تجاوباً ولم يكن أمامنا إلا وسائل الاعلام لنطل على هذه الكارثة». تركزت المشكلة في محيط احراج عرمون والبساتين، إلا أن بوادرها بدأت تظهر في مختلف قرى غرب عاليه، من بمكين إلى سوق الغرب وصولاً إلى عيناب وعين عنوب وشملان وغيرها... وهي بدأت تمتد نحو اشجار الصنوبر المثمر في البلدات المجاورة. جمعية غـدي رئيس «جمعية غدي» فادي غانم، قال لـ«السـفير»: تلقينا كجمعية بيئية اهلية شكاوى عدة عن وجود كارثة في أحراج هذه المنطقة منذ أيام عدة، واليوم زارنا بعض الناشطين البيئيين وطلبوا مرافقتهم في جولة للوقوف على حجم الكارثة، ولم نكن نتوقع هذا الحجم من الاضرار، لذلك، سنعد خطة عمل للتحرك في أكثر من اتجاه، ونعلن هذه الرقعة المتضررة منطقة منكوبة والتعامل حيال ما هو قائم على هذا الاساس. وناشد غانم «وزارات البيئة والزراعة والداخلية والبلديات ايفاد مهندسين لمعاينة الاحراج»، ولفت إلى أن «المطلوب الآن وقف توسع رقعة انتشار دودة الصندل للحفاظ على الأحراج المعرضة لليباس». وقال: سنطلب من قيادة الجيش اللبناني التي تولي اهتماماً استثنائياً للحفاظ على الثروة الحرجية رش الاحراج بمبيدات لمكافحة دودة الصندل، لأن أولوية عملنا ستتركز على حماية ما بقي من اشجار سليمة، وفي مرحلة لاحقة لا بد من قطع الاشجار اليابسة وتنظيم حملات تشجير واسعة. دودة الصندل وقال غانم: ان دودة الصندل تساهم في يباس الأشجار ولها مضاعفات سلبية على صحة الإنسان، إذ انها تتسبب بحساسية في العيون والبشرة وضيق في التنفس، ومصدرها فراشة كستنائية اللون تضع بيوضها في أيلول وتشرين الأول، ومن ثم تفقس البيوض وتخرج دودة تقوم بنسج خيوط وسط اغصان الاشجار، وخلال شهري شباط وآذار تخرج الديدان من الأعشاش التي نسجتها لتغتذي على الأوراق وصولاً إلى التربة فتنسج شرنقة حول نفسها تخرج منها بعد شهور فراشة جديدة وتبدأ الدورة من جديد. دير قوبل نسرين ابو فراج الغريب من بلدة دير قوبل المجاورة، أشارت إلى أن «مساحات كبيرة من الأحراج لم يعد فيها أي أثر لبقعة خضراء»، وقالت: إن دير قوبل كما عرمون والبساتين تعرضت أحراجها لكارثة بيئية ستترك أثرها على المناخ والمعالم الجمالية المحيطة بها. ولفتت إلى أن «المطلوب وبشكل سريع وملح معالجة هذا الامر ومنع انتقال العدوى الى الاحراج المعرضة للخطر في دير قوبل وجوارها ايضاً». مزارعو الصنوبر رئيس «نقابة مزارعي وعمال الصنوبر في لبنان» فخري المصري أشار إلى أن «النقابة ستتحرك لمواجهة هذه المشكلة التي طالما حذّرنا منها وطالبنا الجهات المعنية بإيفاد فرق عمل تقوم بمعالجة الأشجار وقطع الأغصان المصابة وإحراقها لحماية الشجرة من اليباس»، وطالب «بالعمل سريعاً على تأمين سبل المكافحة كي لا نخسر مورد رزق أساسيا في عدد من المناطق اللبنانية من الشمال إلى جبل لبنان وصولاً إلى أحراج الصنوبر في قضاء جزين، خصوصاً أن دودة الصندل تتهدد ايضاً الصنوبر المثمر وليس الصنوبر البري فحسب»، لافتاً إلى أن «المشكلة لا تقتصر على منطقة دون اخرى»، وأكد أن «النقابة تجري اتصالات مع الجهات المعنية وتدأب لتأمين حلول ناجعة تضع حداً لكل ما يتهدد أحراجنا».
No comments:
Post a Comment