في سجن رومية المركزي، يقبع موقوفٌ بجرم الانتماء إلى «فتح الإسلام» بتهمة يصفها بـ«الباطلة». يحكي عن محاولة عناصر التنظيم قتله أكثر من مرة، متحدّثاً عن فتوى دينية
بـ «هدر دمه». يشكو الموقوف من «قرار قاضٍ طلب الإعدام لي من دون أن يسمعني». هنا «رحلة معاناة وظلم»، عمرها خمس سنوات، يرويها الشيخ محمد السعدي
بـ «هدر دمه». يشكو الموقوف من «قرار قاضٍ طلب الإعدام لي من دون أن يسمعني». هنا «رحلة معاناة وظلم»، عمرها خمس سنوات، يرويها الشيخ محمد السعدي
رضوان مرتضى
ثقلُ السنين الخمس الماضية يكاد يكون قاتلاً. لم يُخفّف من وطأتها قرارٌ اتهامي انتظره الشيخ الموقوف محمد السعدي (37 عاماً) بفارغ الصبر آملاً أن يُزَفّ إليه خبر براءته، إذ خيّب القاضي غسان عويدات ظنّه، طالباً تنفيذ أحكام تصل عقوبتها إلى الإعدام بحقّه. يحكي إمام مسجد الصحابة الملقّب بـ«أبو عمر» عن «ظلم لا مثيل له قاساه طوال سنين توقيفه». وفي مقابلة أُجريت معه في السجن، يستغرب «كيف يُتّهم شخصٌ بالانتماء إلى فتح الإسلام، فيما قادة التنظيم المذكور وعناصره يُكفّرونه ويتّهمونه بأنه يحمل فكراً منحلّاً مخالفاً لفكرهم». يضحك الشيخ قائلاً: «الآن فهمت معنى عبارة سُخرية القدر التي تتجلّى بأبهى حُللها في ما يحصل لي».
يستعيد الشيخ السعدي دقائق الأحداث التي سبقت المعارك في نهر البارد. فيذكر تاريخ 20 أيار 2007 كأنه يراه أمامه. يومٌ لن يستطيع نسيانه ما بقي حيّاً. في ذلك اليوم، استيقظ لأداء أذان الفجر. يُخبر أنه لم يصعد إلى مسجد الصحابة حيث يؤم المصلّين كالمعتاد، بل قصد مسجد خالد بن الوليد القريب من «موقع صامد». يروي كيف تجمّع الناس في ساحة التعاونية فجر ذلك اليوم. الساحة هنا عبارة عن مدخل المخيم الشمالي، ومكان يجتمع فيه الأهالي لدى وقوع أي حادث. يقول: «كنّا بالمئات، وبيننا عناصر من فتح الإسلام». يتحدّث عن خطأ العمر الذي ارتكبه يومذاك. «صعدت خلف عنصر من فتح الإسلام يدعى أبو السعيد الشرعي على دراجة نارية». ويضيف، «هذا السبب، ربما، هو الذي دفع بالمخبرين إلى زجّ اسمي ضمن قائمة عناصر فتح الإسلام». ويضيف قائلاً: «أعتقد أن هذا كل خطئي ولا شيء سوى ذلك»، مؤكداً: «لم أطلق النار على الجيش ولم أشارك في أي محور. لزمت المنزل وهناك عشرات الشهود الذين يشهدون بذلك».
الشيخ الذي يعمل عطّاراً، يذكر أن عائلته خرجت من المخيم بعد 22 يوماً على بدء المعركة، لكنه لم يخرج. يعزو السبب إلى أن اسمه نُشر في الصحف على أنه أحد مقاتلي فتح الإسلام في المخيم. يروي كيف اضطُرّ إلى البقاء منتظراً الفرج، باعتبار أنه بات مطلوباً للدولة اللبنانية وقد لا يُصدّقه أحد.
أثناء وجوده في المخيم، أوقفه عناصر من فتح الإسلام في منطقة جامع الحاووز المعروفة بمنطقة الغوارنة، حيث كان عناصر التنظيم المتشدّد ينقلون جرحاهم. يشير إلى أن قيادياً بينهم، يدعى أبو صخر وخمسة آخرين، اقتادوه إلى منزل أبو فؤاد زنهر بتهمة «العمالة للدولة اللبنانية». يذكر كيف ضربوه على رأسه بحضور المسؤول العسكري لـ «فتح الإسلام» أبو سلمة، فيما وجّه أبو صخر، الرشاش إلى رأسه. يُخبر كيف صار يستجديه موضحاً فيما كان الأخير يتهمه: «أنت جاسوس وتحت غطاء لحيتك تتجسّس علينا». يقول إنه أقسم له عشرات المرات إنه ليس جاسوساً، لكن الأخير لم يقتنع وأجابه: «نقتلك وإن كنت بريئاً تُخلّص نفسك عند ربّك». في تلك الأثناء، وصل شخصان هما ربيع الأشقر ووسام بدران مُرسلان من قبل القيادة العامة. وتوجّها إلى أبو سلمة بأن «الشيخ أبو عمر عند أبو نبيل البيثم». هنا ناداني أبو سلمة قائلاً: اذهب ولا تلتفت وراءك. فأطلق أبو صخر من غيظه ثلاث طلقات في الهواء. يُخبر الشيخ السعدي أن الأشقر وبدران حيّان يُرزقان يشهدان على ذلك.
يُكمل الموقوف سرده ليوميات المعارك. في اليوم الـ33 ، أعلن وزير الداخلية والبلديات آنذاك، الياس المرّ، وقف العمليات العسكرية في نهر البارد. أوقفت العمليات حتى اليوم الـ54، تاريخ مغادرة جميع الموجودين. وأُعلن عبر مكبرات الصوت أن من يريد أن يخرج فليخرج، ومن سيبقى سيُعدّ تابعاً لـ «فتح الإسلام». يقول: «قضيت أيامي متنقلاً من نقطة إلى أخرى، برفقة الحاج ناصر اسماعيل إلى أن انفصلت عنه في 21 آب 2007. كنت قبل ذلك بأربعة أيام قد مررت على محاور فتح الإسلام بحثاً عن مخرج حتى وجدت واحداً باتجاه بستان الزعتر عبر قناة، أو مجرور صرف صحي. تسللت ليلاً عبره. زحفت على الرمل. كان الجيش من حولي ولم يروني. خرجت من بستان الزعتر إلى أن وصلت إلى تلة. كان تحتها بحر وجنبها سياج. بقيت أزحف ثم نزلت في مياه البحر. بدأت السباحة واستمررت كذلك نحو 8 ساعات. كان الوقت ليلاً وكنت بعيداً، ولم يكن ظاهراً لي لا مطار القليعات ولا نهر البارد. ابتعدت عن المخيم نحو 20 كلم. وبقيت أسبح حتى وصلت إلى جسر عرقة. كان بيني وبين الشاطئ نحو خمسة أمتار. فمرّ باص من نوع تويوتا. لم يكن عندي احتياطات أمنية. كان شعري ولحيتي طويلان يطفوان على سطح الماء. فنزل شاب طالباً مكالمتي. وفي تلك الأثناء، اتصل بـ«أبو خالد محيش»، مسؤول الاستخبارات في عكار، قائلاً: «سيدنا أمسكنا واحداً من فتح الإسلام». ثم نادى الشبان فالتفوا حولي وأوقفوني. لم يضربني أحد، بل أعطوني ماءً وسكّراً. كان معي شنطة فيها 12000 دولار. أخذوني إلى حلبا ثم نقلوني إلى وزارة الدفاع. في أول يومين، أخبرتهم أنه لو كنت أعلم أن المعاملة هكذا، لكنت قد سلّمت نفسي فوراً. في اليوم الثالث، سألوني عن أموالي فأخبرتهم أني عطّار وطبيب عربي. وهذا المبلغ لا يُذكر نسبة إلى ممتلكاتي التي تتجاوز نصف مليون دولار. فردّوا قائلين: «هذا المال من شاكر العبسي لإيقاظ خلايا نائمة». فقلت، لا نائمة ولا مستيقظة، هذا مالي. فردّ المحقق «أنت تكذب».
يستعيد الموقوف الإسلامي لحظات التحقيق معه التي ذاق خلالها أشدّ أنواع العذاب. يتحدّث عن «محقّق لئيم، علّقني على البلانكو واستمر يضربني حتى أخبرته أني أطلقت النار على الجيش اللبناني، الظالم اللئيم لم أره. فضلاً عن التهديد إنو بدو يقعدني عالقنينة والكرسي الألماني والكهرباء». ورغم استعادته تلك اللحظات كأنه يراها ويشعر بها، يذكر محققَين كانا في الوزارة، أحدهما يدعى إيلي أزرق العينين، فيما الثاني شاب طويل أقرع رفيع يُلقب بـ «الحاج». يُخبر أنهما عاملاه معاملة جيدة.
يُقسم الشيخ إنه وقّع أوراقاً لم يرها. يقول إنه اعترف بأنه أطلق النار على الجيش تحت الضرب والتعذيب. يؤكد أنه لا وجود لشاهد واحد يشهد أني أطلقت النار، حتى فتح الإسلام يشهدون أني ضدهم. يذكر أنه ضُرب كثيراً لدى الشرطة العسكرية. فكان كلّ واحد يسلمني للثاني قائلاً: «استلم هذا السعدي الذي ذبح الجيش». ويكمل سارداً، دخلت عند القاضي فسألني: أنت تنتمي إلى فتح الإسلام، فقلت له لا. سألني هل بايعت فتح الإسلام؟ فقلت أيضاً لا.
للشيخ أبو عمر طفلةٌ عمرها من عمر سجنه. أتمّت الخامسة ولم تعرف والدها إلا سجيناً خلف القضبان. فاطمة الصغيرة هي الطفلة الصغرى للشيخ بين أبنائه الستة، الذين يُقسم بهم إنه لا يحمل فكر القاعدة، إنما يؤمن بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. الموقوف الإسلامي لا ينزل في مبنى السجناء الإسلاميين حرصاً من حرّاس السجن على حياته. يقول إنه شهد معارك نهر البارد ولم يشارك فيها إطلاقاً.
الشيخ الذي يعمل عطّاراً، يذكر أن عائلته خرجت من المخيم بعد 22 يوماً على بدء المعركة، لكنه لم يخرج. يعزو السبب إلى أن اسمه نُشر في الصحف على أنه أحد مقاتلي فتح الإسلام في المخيم. يروي كيف اضطُرّ إلى البقاء منتظراً الفرج، باعتبار أنه بات مطلوباً للدولة اللبنانية وقد لا يُصدّقه أحد.
أثناء وجوده في المخيم، أوقفه عناصر من فتح الإسلام في منطقة جامع الحاووز المعروفة بمنطقة الغوارنة، حيث كان عناصر التنظيم المتشدّد ينقلون جرحاهم. يشير إلى أن قيادياً بينهم، يدعى أبو صخر وخمسة آخرين، اقتادوه إلى منزل أبو فؤاد زنهر بتهمة «العمالة للدولة اللبنانية». يذكر كيف ضربوه على رأسه بحضور المسؤول العسكري لـ «فتح الإسلام» أبو سلمة، فيما وجّه أبو صخر، الرشاش إلى رأسه. يُخبر كيف صار يستجديه موضحاً فيما كان الأخير يتهمه: «أنت جاسوس وتحت غطاء لحيتك تتجسّس علينا». يقول إنه أقسم له عشرات المرات إنه ليس جاسوساً، لكن الأخير لم يقتنع وأجابه: «نقتلك وإن كنت بريئاً تُخلّص نفسك عند ربّك». في تلك الأثناء، وصل شخصان هما ربيع الأشقر ووسام بدران مُرسلان من قبل القيادة العامة. وتوجّها إلى أبو سلمة بأن «الشيخ أبو عمر عند أبو نبيل البيثم». هنا ناداني أبو سلمة قائلاً: اذهب ولا تلتفت وراءك. فأطلق أبو صخر من غيظه ثلاث طلقات في الهواء. يُخبر الشيخ السعدي أن الأشقر وبدران حيّان يُرزقان يشهدان على ذلك.
يُكمل الموقوف سرده ليوميات المعارك. في اليوم الـ33 ، أعلن وزير الداخلية والبلديات آنذاك، الياس المرّ، وقف العمليات العسكرية في نهر البارد. أوقفت العمليات حتى اليوم الـ54، تاريخ مغادرة جميع الموجودين. وأُعلن عبر مكبرات الصوت أن من يريد أن يخرج فليخرج، ومن سيبقى سيُعدّ تابعاً لـ «فتح الإسلام». يقول: «قضيت أيامي متنقلاً من نقطة إلى أخرى، برفقة الحاج ناصر اسماعيل إلى أن انفصلت عنه في 21 آب 2007. كنت قبل ذلك بأربعة أيام قد مررت على محاور فتح الإسلام بحثاً عن مخرج حتى وجدت واحداً باتجاه بستان الزعتر عبر قناة، أو مجرور صرف صحي. تسللت ليلاً عبره. زحفت على الرمل. كان الجيش من حولي ولم يروني. خرجت من بستان الزعتر إلى أن وصلت إلى تلة. كان تحتها بحر وجنبها سياج. بقيت أزحف ثم نزلت في مياه البحر. بدأت السباحة واستمررت كذلك نحو 8 ساعات. كان الوقت ليلاً وكنت بعيداً، ولم يكن ظاهراً لي لا مطار القليعات ولا نهر البارد. ابتعدت عن المخيم نحو 20 كلم. وبقيت أسبح حتى وصلت إلى جسر عرقة. كان بيني وبين الشاطئ نحو خمسة أمتار. فمرّ باص من نوع تويوتا. لم يكن عندي احتياطات أمنية. كان شعري ولحيتي طويلان يطفوان على سطح الماء. فنزل شاب طالباً مكالمتي. وفي تلك الأثناء، اتصل بـ«أبو خالد محيش»، مسؤول الاستخبارات في عكار، قائلاً: «سيدنا أمسكنا واحداً من فتح الإسلام». ثم نادى الشبان فالتفوا حولي وأوقفوني. لم يضربني أحد، بل أعطوني ماءً وسكّراً. كان معي شنطة فيها 12000 دولار. أخذوني إلى حلبا ثم نقلوني إلى وزارة الدفاع. في أول يومين، أخبرتهم أنه لو كنت أعلم أن المعاملة هكذا، لكنت قد سلّمت نفسي فوراً. في اليوم الثالث، سألوني عن أموالي فأخبرتهم أني عطّار وطبيب عربي. وهذا المبلغ لا يُذكر نسبة إلى ممتلكاتي التي تتجاوز نصف مليون دولار. فردّوا قائلين: «هذا المال من شاكر العبسي لإيقاظ خلايا نائمة». فقلت، لا نائمة ولا مستيقظة، هذا مالي. فردّ المحقق «أنت تكذب».
يستعيد الموقوف الإسلامي لحظات التحقيق معه التي ذاق خلالها أشدّ أنواع العذاب. يتحدّث عن «محقّق لئيم، علّقني على البلانكو واستمر يضربني حتى أخبرته أني أطلقت النار على الجيش اللبناني، الظالم اللئيم لم أره. فضلاً عن التهديد إنو بدو يقعدني عالقنينة والكرسي الألماني والكهرباء». ورغم استعادته تلك اللحظات كأنه يراها ويشعر بها، يذكر محققَين كانا في الوزارة، أحدهما يدعى إيلي أزرق العينين، فيما الثاني شاب طويل أقرع رفيع يُلقب بـ «الحاج». يُخبر أنهما عاملاه معاملة جيدة.
يُقسم الشيخ إنه وقّع أوراقاً لم يرها. يقول إنه اعترف بأنه أطلق النار على الجيش تحت الضرب والتعذيب. يؤكد أنه لا وجود لشاهد واحد يشهد أني أطلقت النار، حتى فتح الإسلام يشهدون أني ضدهم. يذكر أنه ضُرب كثيراً لدى الشرطة العسكرية. فكان كلّ واحد يسلمني للثاني قائلاً: «استلم هذا السعدي الذي ذبح الجيش». ويكمل سارداً، دخلت عند القاضي فسألني: أنت تنتمي إلى فتح الإسلام، فقلت له لا. سألني هل بايعت فتح الإسلام؟ فقلت أيضاً لا.
للشيخ أبو عمر طفلةٌ عمرها من عمر سجنه. أتمّت الخامسة ولم تعرف والدها إلا سجيناً خلف القضبان. فاطمة الصغيرة هي الطفلة الصغرى للشيخ بين أبنائه الستة، الذين يُقسم بهم إنه لا يحمل فكر القاعدة، إنما يؤمن بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. الموقوف الإسلامي لا ينزل في مبنى السجناء الإسلاميين حرصاً من حرّاس السجن على حياته. يقول إنه شهد معارك نهر البارد ولم يشارك فيها إطلاقاً.

No comments:
Post a Comment